سيد محمد طنطاوي

54

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النساء المحصنات أي : الحرائر العفيفات * ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) * أي : من اليهود والنصارى . قال الآلوسي : وتخصيص المحصنات بالذكر في الموضعين ، للحث على ما هو الأولى والأليق ، لا لنفى ما عداهن ، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه ، صحيح بالاتفاق . وكذا نكاح غير العفائف منهن . وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم » « 1 » . وقوله : * ( إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) * أي : مهورهن ، وهي عوض عن الاستمتاع بهن . قالوا : وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد ، إذ لا تتوقف صحة العقد على دفع المهر ، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول . وقوله : * ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ) * أمر لهم بالعفة والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وقوله * ( مُحْصِنِينَ ) * حال من فاعل * ( آتَيْتُمُوهُنَّ ) * . وقوله : * ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) * صفة لمحصنين ، أو حال من الضمير المستتر في محصنين . وقوله : * ( ولا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ) * يحتمل أن يكون مجرورا على أنه عطف على مسافحين ، وزيدت فيه « لا » لتأكيد النفي المستفاد من لفظ غير . ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه عطف على * ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) * . والمعنى : أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات لتشكروا اللَّه - تعالى - على تيسيره لكم فيما شرع ، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش ، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات اللَّه في السر أو العلن . وقدم - سبحانه - المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب للتنبيه على أن المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن ، وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة الكتابية . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( ومَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه ، وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * . أي : ومن يكفر بشرائع اللَّه وبتكاليفه التي أنزلها على نبيه صلى اللَّه عليه وسلَّم فقد حبط عمله ، أي : خاب سعيه . وفسد عمله الذي عمله . وهو في الآخرة من الهالكين الذين ضيعوا ما عملوه في الدنيا من أعمال بسبب انتهاكهم لحرمات اللَّه وأحكام دينه .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 65 - بتصرف يسير .